الأربعاء، أبريل 6

شيء من ذكرى 6 أبريل





أول خبر نشر للدعوة ليوم 6 أبريل

لم يكن 6 أبريل 2008 يوم كبقية الأيام التي مرت علي ، بل كان لذلك اليوم أثراً كبيراً عليّ ، ففي مثل هذا اليوم عشت أول انتفاضة شعبية حقيقية ، فبحسب سنين عمري القليلة التي مرت كانت هذه الانتفاضة الشعبية الأولى التي أشهدها وأحضرها وأدعوا لها ، أتذكر أول خبر عن هذه الانتفاضة المباركة التي قام بها أهل المدينة الحرة مدينة المحلة الكبرى لأني لم أقرأ هذا الخبر فقط بل شاركت في كتابة هذا الخبر الذي يحمل أول دعوة وجهها عمال غزل المحلة للأحزاب والقوى السياسية والأهالي لمشاركتهم في إضراب عام في ذلك اليوم احتجاجاً على سوء الأحوال المعيشية التي تدهورت بفعل سياسات نظام مبارك المخلوع ، نشر ذلك الخبر على صفحات جريدة البديل صباح يوم الجمعة الموافق 29 فبراير من عام 2008 ، ولم يمر الكثير على نشر هذا الخبر حتى لاقى استجابة غير مسبوقة سواء من القوى السياسية أو الشعبية ، وأعلنت عدة قوى سياسية استجابتها الفورية للدعوة وتبنت هي الأخرى الدعوة لهذا اليوم وعممته على مستوى الجمهورية بينما تخاذلت قوى أخرى ولم تستجب لهذه الدعوة ، إلى أن جاء ذلك اليوم التاريخي ليشهد أول انتفاضة وأول تسونامي شعبي يرفع راية التغيير محطماً كل توقعات كافة القوى السياسية سواء ممن استجابوا للدعوة أو ممن تخاذلوا ..

كانت مدينة المحلة أكثر البؤر اشتعالاً بينما سيطرت قوات الأمن المركزي ومباحث أمن الدولة من السيطرة على الموقف في القاهرة والقبض على العديد من النشطاء والمواطنين في ذلك اليوم ، إلا أن المحلة وأهلها الأحرار كانوا الأكثر ثورة عن بقية مدن ومحافظات مصر فلم يستطع أمن مبارك في ذلك الوقت من السيطرة على الوضع هناك رغم الاستعانة بآلاف الجنود والمدرعات وانتفضت المحلة وأعلنت التمرد على مدار يومين متتاليين 6 و7 أبريل قدم فيهما ثوار المحلة دماؤهم ثمناً لكرامتهم ..


بدأت هذا اليوم بالذهاب إلى مدينة المحلة صباحاً بتكليف لرصد هذا اليوم هناك ، وتقابلت أنا وبعض الأصدقاء كنا قد اتفقنا قبلها على التواجد بالمحلة في هذا اليوم ، وبالفعل كان اللقاء ظهر هذا اليوم تقريباً ، كان معظمهم من أعضاء وقيادات حزب الجبهة الديمقراطية ، وكان هذا هو العام الأول لهذا الحزب ، بدأنا في تفقد أحوال المدينة والسير في شوارع المدينة بسيارة الدكتور شادي الغزالي حرب وبمرافقة الصديق أحمد عيد الذي كان هذا أول لقاء وتعارف بيني وبينهم ، لحظنا في بداية ذلك اليوم ان الحركة في مدينة المحلة لم تكن طبيعية كأي يوم سابق ، فمعظم المحلات مغلقة ، والحركة في الشوارع خفيفة جداً والميادين التي كانت تزدحم في هذه الساعات لم تكن مزدحمة بالدرجة التي كانت عليها في الأيام الأخرى ، بالإضافة طبعاً إلى انتشار قوات الأمن في الشوارع وحول عدد من المنشآت المتوقع تجمع التظاهرات عندها مثل مجلس المدينة ، و ذهبنا إلى شركة مصر أكبر شركات الغزل والذي كان عمالها مصدر الدعوة لذلك اليوم ، لنفاجأ بأن البوابة الرئيسية مغلقة ومنصوب عليها سقالات وكأن بها أعمال صيانة وتجديد ، حاولنا الدخول للشركة عبر مستشفى الشركة الملاصق لها مستغلين هوية الدكتور شادي الطبية ونجحنا في دخول المستشفى بالفعل إلا أننا فشلنا في دخول الشركة ، فقررنا العودة لمقر حزب الجبهة لحين حدوث جديد ..

قوات الأمن بجوار مجلس مدينة المحلة

لم يمر وقت طويل حتى بدأن تردنا أخبار عن أن هناك تظاهرات انطلقت في عدة أماكن مثل شارع الإنتاج وميدان الشون – الميدان الرئيسي بالمحلة – تفرقنا كمجموعات وتوجه كل منا إلى أحد الأماكن التي يقال أن بها تظاهرات ، وتحركت أنا ومجموعة من الشباب إلى شارع الإنتاج – مدخل شركة مصر لغزل المحلة - ولم نجد شيء ، ولم تمر دقيقة أو دقيقتان من وصولنا لشارع الإنتاج إلى أن وردتنا أنباء مؤكدة عن بداية تظاهرة كبيرة بميدان الشون الذي يبعد عن شارع الإنتاج قرابة الـ350 متر ، وبسرعة انطلقنا إلى هناك وما إن وصلنا إلا ووجدنا بداية تجمع لحشد من المواطنين ومع بداية ازدياد الأعداد نتيجة لتوافد المئات من المواطنين للانضمام للتظاهرة قامت قوات الأمن في التعامل مع التظاهرة محاولة تفريقها عن طريق الاعتداء على المتظاهرين بالهراوات التي لم تجدي مع تلك الحشود مما دفع الأمن بالتعامل مع التظاهرات بقنابل الغاز والرصاص المطاطي والحجارة ..

قوات الامن احتلت ميدان الشون


في تلك الأثناء اعتلينا سطح شركة الصديق عبد المنعم إمام أحد القيادات الشابة بحزب الجبهة وكانت تلك الشركة تطل على ميدان الشون مباشرة مما يعني أنها تسمح بالتقاط صور للميدان بالكامل من أعلى ، وبدأنا في التقاط الصور لما يحدث أسفلنا من كر وفر بين المواطنين وبين قوات الأمن التي استعانت بالبلطجية للاندساس وسط المتظاهرين والقبض عليهم ، أتذكر في ذلك الوقت كان أحد أفراد الشرطة – عسكري – من وقت لآخر يقوم بتحذيري ويقول لي : متصورش عشان الباشا هايجيبك ، ثم يقوم بعمل حركة بيده تعني أنهم سيقوموا بالقبض علي ..، لم أعبأ بتلك التحذيرات حتى انتهت بطارية الكاميرا وفي نفس الوقت وجدت أن التحذيرات بدأت تأخذ شيء من الجدية فطبقت المبدأ السليم والسحري في تلك المواقف " الجري نص المجدعة " ولم يكن الجري هنا نصف المجدعة بل كان هو عين المجدعة ، قمت بارتداء قميص كنت استخدمه ككمامة من الغاز كنوع من التمويه والتنكر ونزلت أتجول حول الميدان ، وفي أول ما خطت قدمي الشارع بعد خروجي من باب الشركة وجدت أحد ضباط الأمن المركزي يمر أمامي واضح عليه علامات الإرهاق والغلبة بينما تتدلى رتبته على كتفه في طريقها للسقوط نبهته لذلك كنوع من فتح الحديث معه لأسأله ماذا يحدث وكأني قادم من المريخ ، لم يجيبني سوى بكلمات بسيطة بعد أن أمسك برتبته التي ستسقط ونظر لها نظرة وكأن لسان حاله يقول لها : منك لله انتي اللي جايبالي كل ده .. ، وقال لي في صوت منخفض مكسور : أنا ولله مش عارف إيه ده ، أنا أول مرة أشوف حاجة زي دي !! .. ، اكتفيت بذلك رأفة به خاصة وان نظرات المجندين له كانت مليئة بالشماتة لما حدث له، فهو الذي كان يقهرهم بالأوامر..

تحركنا إلى شارع سكة طنطا المتفرع من ميدان الشون لنسمع أصوات كأصوات تكسير الحجارة وكان مصدر هذه الأصوات نتيجة لمحاولة مجموعات من الشباب بخلع قضبان السكة الحديدة لإيقاف القطارات ، ومع تلك الأصوات كانت تعلوا هتافات " يا جمال قول لأبوك المحلة هايـ×××× " سيفعلوا به كما فعل التوربيني بالأطفال ، اتجهنا لمنطقة مدرسة طه حسين عندما سمعنا انها تحترق لنجد أعمال السلب والنهب بأثاث المدرسة ومحتوياتها من بعض ممن استغلوا تلك الأحداث في أعمال السلب والنهب ، لم نقف كثيراً فالكاميرات لم يعد بها طاقة أو شحن كل البطاريات فارغة ، فاتجهنا لمقر حزب الجبهة والذي بدوره هو الآخر مطل على ساحة قسم أول المحلة ، وقام عدد من الشباب بتصوير الاعتداءات التي كانت تقع على من يتم القبض عليهم ، إلى أن تم رصدنا وحاولت قوة من الشرطة اقتحام المقر لمنعنا من التصوير والحصول على ما ليدنا من معدات تصوير إلا أن العناية الإلهية تدخلت لتنقذنا من ذلك وسخونة الأحداث شغلتهم عن ذلك ، لينتهي اليوم بعد قطع الكهرباء عن معظم شوارع المحلة ، واحتل الظلام مع قوات الأمن شوارع المحلة وكانوا يطلقون النار على أي هدف يتحرك في الظلام لدرجة أننا أثناء سيرنا في محاولة للخروج من المحلة تلك الليلة كان رصاص الأمن المركزي يمر على رؤوسنا ونشعر بالهواء الناتج عن الرصاصة يمر بجوار أذننا ، من بيت إلى بيت من مدخل إلى مدخل أمّن خروجنا ثوار وأهل هذه المدينة العظيمة حتى وصلنا إلى سيارة الدكتور شادي وبدأنا في التحرك في اتجاهنا لطنطا ..

قوات الامن في طريقها لسكة طنطا

لم تقوى السيارة على حملنا فكان عددنا 6 أفراد في سيارة أقصى حمولة لها 4 أفراد خاصة ان كانت ستسير في طريق غير ممهد به الكثير من الحفر والمطبات ، فظللت أنا والصديق أحمد عيد نسير تارة ونجري تارة بجوار السيارة على طريق يتوسط ترعة – مجرى مائي – من اليمين وحقول من اليسار وبين كل مسافة وأخرى تجد قطع في الطريق لزوم ري الحقول ، ظل الأمر على ذلك الوضع لمسافة حوالي 12 كيلو متر ، وأثناء سيرنا بجوار السيارة على هذا الطريق كنا نقف عند المناطق التي يوجد بها قطع للطريق لنساعد من خلفنا ونحذرهم من الوقوع في ذلك القطع ، إلى أن وصلنا لمنطقة ووجدنا السيارة التي كانت خلفنا تحاول ان تسبقنا وكانت سيارة نصف نقل محملة بالخضروات ، وبالفعل استطاع سائقها ان يسبقها ويسير أمامنا في أول الأمر ظننا ان هذا السائق مل من سيرنا البطيء بحكم ضعف السيارة وصعوبة الطريق إلا أننا اكتشفنا غير ذلك ، فبعد أمتار قليلة توقفت السيارة ووجدنا أشخاص يتحدثون مع سائق هذه السيارة يحملون أسلحة بيضاء وشوم ، ونظر أحدهم إلينا ووجدناه قادم نحو السيارة ووصل ونظر بداخلها وطلب من الدكتور شادي 20 أو 100 جنيه لكي نمر ، حاولنا التفاهم معه ونشرح له طبيعة مهمتنا بأننا أتينا لنشر مشاكلهم ، إلا أنه لم يرد حتى جاء نداء من زميله كان يتحدث مع سائق السيارة النصف نقل ويقول له : سيبهم دول تبع الخضري .. ، وفجأة يتنازل قاطع الطريق عن إتاوته ويقول للدكتور شادي: اطلع يا أستاذ.. ، لنكتشف أن سائق السيارة النصف نقل الذي سبقنا ، لم يفعل ذلك نتيجة لملله من سيرنا البطيء وإنما كان ليقوم هو بالتحدث مع قاطعي الطريق هؤلاء ويخبرهم بأننا تابعين له حتى لا يتعرضوا لنا ، وغالباً قام بدفع الإتاوة بدلاً منا كنوع من المكافأة تقريباً لوقوفنا عند الحفر الكبيرة وتحذيرنا لمن خلفنا من هذه الحفر ..

انا على سطح شركة الصديق عبد المنعم إمام

انتهى اليوم ولم ينتهي من ذاكرتي ، فمازلت أذكر ذلك اليوم وكأنه أمس ، بل وأكن لهذا اليوم كل الحب والتقدير والإعزاز لما سببه لي من خير ، فبعد ذلك اليوم نشأت حركة شباب 6 أبريل من مجموعة الشباب والنشطاء الذين تولوا الدعوة لهذا اليوم على موقع الفيس بوك ، وتعرفت من خلالها على الكثير والكثير من الشباب النقي المخلص ، وكافأني الله بتعرفي على إنسانة كانت ومازالت لي كالقمر في الليلة المظلمة ينير لي حياتي وأهتدي بها وبنورها لطريقي الصحيح ، عانت معي وتحملتني في الكثير من كبواتي وساعات ضيقي ومازالت تتحملني ، مازلت مدين لها بالكثير والكثير ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

علق ومتنساش تدخل على مدونتي التانية حنظلة
http://7anzala.wordpress.com